أبرز ما في هذا المقال: أقرّت وزارة البلديات والإسكان تعديلات جوهرية على لائحة التفتيش على كود البناء السعودي، تُلزم جميع المباني بالخضوع لفحوصات دورية إلزامية خلال مرحلتي التشييد والتشغيل. تزامناً مع تصاعد أعداد الأبراج والمنشآت متعددة الطوابق، باتت مسألة تفتيش المصاعد أكثر حسماً من أي وقت مضى.
تعيش المملكة العربية السعودية اليوم حراكاً تشريعياً غير مسبوق في قطاع البناء والتشييد، في إطار التحولات الكبرى التي تشهدها رؤية المملكة الاقتصادية والعمرانية. ولعل أبرز تجليات هذا الحراك ما صدر مؤخراً من تعديلات على لائحة المتطلبات العامة لتعيين جهات التفتيش والمفتشين، والتي أضحت تُلزم جميع المباني دون استثناء بالخضوع لعمليات تفتيش منتظمة خلال مرحلتي التشييد والتشغيل.
وفي هذا السياق، يتصدر تفتيش المصاعد قائمة الأولويات، إذ لا يمكن لأي مبنى متعدد الطوابق أن يحصل على شهادة الإشغال دون التثبت من سلامة منظومة مصاعده وامتثالها للمعايير الفنية المعتمدة. فما الجديد الذي جاءت به هذه التعديلات، وكيف يؤثر على أصحاب المباني والمطورين العقاريين؟
أولاً: تعديلات لائحة كود البناء — ما الذي تغيّر؟
أقرّت وزارة البلديات والإسكان مؤخراً تعديلات شاملة على اشتراطات التفتيش الهندسي، وتتمحور أبرز مستجداتها حول ثلاثة محاور رئيسية:
- التفتيش في مرحلة الإنشاء: لم تعد شهادة الإشغال مجرد وثيقة نهائية تُسلَّم عند اكتمال المبنى؛ بل باتت تستلزم تقارير مرحلية معتمدة تُوثِّق كل مرحلة من مراحل البناء في منصة “بلدي”، بما فيها التحقق من تركيب بنية المصعد والمعدات الميكانيكية قبل الإغلاق.
- التفتيش في مرحلة التشغيل: تلتزم المباني القائمة بإجراء فحوصات دورية معتمدة تشمل منظومة المصاعد بالكامل، ولا يُسمح بتجديد رخصة التشغيل أو الإشغال في غياب شهادة تفتيش سارية المفعول.
- مسؤولية موسّعة: حدّدت التعديلات مسؤوليات صريحة تقع على عاتق المصمم والمنفذ والمشرف والمالك، ولا تسقط حتى في حال الاتفاق المسبق على إغفال بعض الاشتراطات.
ثانياً: شهادة الإشغال والمصاعد — رابط لا يمكن تجاهله
جاء التعديل الجوهري الأبرز في ربط إصدار شهادة الإشغال ربطاً مباشراً بمنصة “بلدي”؛ إذ لن يُطلَق التيار الكهربائي للمبنى ولن تُصدَر شهادة الإشغال إلا بعد مطابقة تقارير المشرف الهندسي الموثقة رقمياً لكافة مراحل البناء. ويندرج ضمن ذلك بالضرورة التحقق من سلامة المصاعد واستيفائها معايير اللائحة الفنية السعودية.
هذا يعني عملياً أن المطورين وأصحاب المباني لا يمكنهم تأخير ملف تفتيش المصاعد أو معالجته بعد التسليم، بل ينبغي إدراجه في الجدول الزمني للمشروع منذ البداية.
ثالثاً: متطلبات تفتيش المصاعد — نظرة على النقاط الأساسية
يشمل التفتيش المعتمد على المصاعد أكثر من 30 نقطة فنية، يمكن تصنيفها في المحاور التالية:
| نقاط الفحص الرئيسية | التفاصيل |
| المنظومة الكهربائية | التوصيلات، لوحة التحكم، أنظمة الأمان الكهربائية، حماية الدوائر |
| الكابلات والمعلاّق | سلامة الأسلاك، نسبة التآكل، الشدّ، نظام الحد من السرعة |
| الأبواب والغُرف | دقة الإغلاق، أجهزة الاستشعار، الأقفال الأوتوماتيكية، مستوى التوقف |
| السلامة الطارئة | الإنذار الصوتي، نظام الاتصال الداخلي، الإضاءة الاحتياطية |
| إمكانية الوصول | مطابقة اشتراطات ذوي الاحتياجات الخاصة وفق الكود السعودي |
| التهوية والإضاءة | كفاءة التهوية في العربة وغرفة الآلات، ومستوى الإضاءة الاشتغالية |
رابعاً: الجهات المشرفة على التفتيش — من يُفتش؟
تتعدد الجهات المعنية بالإشراف على تفتيش المصاعد في المملكة، وتتكامل صلاحياتها لضمان منظومة رقابية متكاملة:
- الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة (سaso): تُحدد اللوائح الفنية وتعتمد جهات تقويم المطابقة المؤهلة لإجراء التفتيش، وتُصدر قائمة محدَّثة دورياً بالشركات المعتمدة. آخر تحديث لهذه القائمة صدر مطلع هذا العام.
- المديرية العامة للدفاع المدني: تُشرف على اشتراطات السلامة ضد الحرائق ومتطلبات الإخلاء في المصاعد، وتملك صلاحية إيقاف تشغيل المصعد فوراً عند الضرورة.
- وزارة البلديات والإسكان: تربط إصدار شهادات الإشغال بامتثال المبنى الكامل بما فيه المصاعد، وتتابع التفتيش عبر منصة بلدي الرقمية.
⚠️ تنبيه قانوني مهم: التعديلات الأخيرة على لائحة كود البناء تنص صراحةً على أن مسؤولية ضمان سلامة المصاعد لا تسقط حتى لو اتفق صاحب العمل مع المقاول على إغفال بعض الاشتراطات. وفي حال وجود خطر مباشر على الأرواح، يُحق للجهاز البلدي طلب فصل الخدمات العامة عن المبنى بأكمله حتى إزالة مصدر الخطر.
خامساً: الإشغال المؤقت والمصاعد — متى يُسمح؟
استحدثت التعديلات الجديدة آلية مرنة تُتيح للجهاز البلدي إصدار شهادة إشغال مؤقتة لمدة لا تتجاوز 180 يوماً قابلة للتجديد، وذلك للمباني المؤقتة والموسمية وسكن العمال في المشاريع الكبرى. غير أن هذا الاستثناء مشروط بالتحقق من أن منظومة السلامة الأساسية — بما فيها المصاعد — تستوفي الحد الأدنى من اشتراطات السلامة.
وتبقى مسؤولية المالك قائمة طوال فترة الإشغال المؤقت، مع التزامه بتصحيح أي ملاحظات قبل انتهاء المهلة الممنوحة.
الأسئلة الشائعة
1. هل تنطبق التعديلات الجديدة على المباني القائمة أم فقط على المشاريع الجديدة؟
تنطبق على الفئتين. المباني الجديدة تخضع للتفتيش الإلزامي في مرحلتي الإنشاء والتشغيل. أما المباني القائمة، فملزَمة بالحصول على شهادات تفتيش سارية وتجديدها دورياً، وإلا تعذّر عليها الحصول على تجديد رخصة الإشغال.
2. كيف تؤثر اشتراطات كفاءة الطاقة الجديدة على مصاعد المباني؟
أدرجت تحديثات كود البناء اشتراطات صارمة لكفاءة الطاقة تطال أيضاً منظومة المصاعد. يُتوقع أن تشمل الفحوصات القادمة التحقق من معدلات استهلاك المحركات وكفاءة أنظمة التحكم، في إطار المستهدف العام لخفض استهلاك الطاقة في القطاع العقاري.
3. ما الفرق بين الجهات المعتمدة من سaso وشركات الصيانة المعتادة؟
شركات الصيانة تنفذ أعمال وقائية وإصلاحية، لكنها لا تملك صلاحية إصدار شهادات مطابقة رسمية. جهات تقويم المطابقة المعتمدة من سaso خضعت لاعتماد فني صارم، وتعمل باستقلالية تامة عن الجهة المُشغِّلة، وشهاداتها هي وحدها المعترف بها رسمياً لدى الجهات التنظيمية.
4. ما العقوبات في حال عدم الامتثال لاشتراطات التفتيش؟
تتراوح العقوبات بين الغرامات المالية، وإيقاف الخدمات العامة عن المبنى، ورفض تجديد رخصة الإشغال، وصولاً إلى الإغلاق الإداري في الحالات التي يُشكّل فيها المصعد خطراً مباشراً على السلامة.
5. هل يمكن توثيق التفتيش رقمياً عبر منصة بلدي؟
نعم، وهو ما تفرضه التعديلات الجديدة صراحةً. تقارير المشرف الهندسي ونتائج التفتيش ينبغي رفعها وتسجيلها في منصة بلدي، ولن تُقبل الشهادات الورقية المنفردة بديلاً عن التوثيق الرقمي في مراحل البناء.
6. كم تستغرق عملية التفتيش على المصعد الواحد وما تكلفتها التقريبية؟
تتراوح مدة الفحص الواحد بين ساعة وثلاث ساعات حسب نوع المصعد وعدد الأدوار. أما التكلفة فتتفاوت بحسب الجهة المعتمدة ونوع المنشأة، ويُنصح بطلب عروض من أكثر من جهة مع التحقق من اعتمادها لدى سaso.
7. ماذا يحدث إذا رُصدت مخالفات أثناء التفتيش؟
تُصنَّف المخالفات حسب درجة خطورتها: المخالفات الطفيفة تُعطى مهلة تصحيح تصل إلى 30 يوماً، والمتوسطة بين 7 و14 يوماً، أما الخطيرة التي تُشكّل تهديداً مباشراً فتستوجب إيقاف المصعد فوراً لحين اجتياز فحص جديد.
خلاصة القول
لم يعد تفتيش المصاعد في المملكة العربية السعودية مجرد إجراء شكلي أو التزام نظامي يُمكن تأجيله. التعديلات التشريعية الأخيرة ربطت هذا الملف ربطاً عضوياً بمنظومة الترخيص والإشغال العقاري بأسرها، وجعلت من التفتيش المعتمد شرطاً لا تنازل عنه. يُنصح أصحاب المباني والمطورون العقاريون بمراجعة شهاداتهم الحالية والتأكد من سريانها، وبناء علاقات مؤسسية مع جهات تفتيش معتمدة لضمان الامتثال المستمر دون انقطاع. فالتخطيط المبكر في هذا الملف لا يحمي فقط من العقوبات — بل يصون في المقام الأول حياة الناس